مجمع البحوث الاسلامية

836

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كما في قوله تعالى : لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ فأمر الاستثناء حينئذ واضح ، إلّا أنّ صوغ الكلام بعيد عن الاستعمال عند إرادة هذا المعنى . وقيل : الاستثناء منقطع ، وهو من تأكيد الشّيء بضدّه وإثباته بنفيه ، والمعنى إن يكن لهم حجّة فهي الظّلم ، والظّلم لا يمكن أن يكون حجّة ، فحجّتهم غير ممكنة أصلا فهو إثبات بطريق البرهان على حدّ قوله : ولا عيب فيهم غير أنّ نزيلهم * يلام بنسيان الأحبّة والوطن ( 2 : 16 ) الطّباطبائيّ : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ . . . بيان لفوائد ثلاث في هذا الحكم الّذي فيه أشدّ التّأكيد ، على ملازمة الامتثال والتّحذّر عن الخلاف : إحداها : أنّ اليهود كانوا يعلمون من كتبهم أنّ النّبيّ الموعود تكون قبلته الكعبة دون بيت المقدس ، كما قال تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ البقرة : 144 ، وفي ترك هذا الحكم الحجّة لليهود على المسلمين ، بأنّ النّبيّ ليس هو النّبيّ الموعود ، لكن التزام هذا الحكم والعمل به يقطع حجّتهم إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وهو استثناء منقطع ، أي لكن الّذين ظلموا منهم باتّباع الأهواء لا ينقطعون بذلك ، فلا تخشوهم ، لأنّهم ظالمون باتّباع الأهواء ، واللّه لا يهدي القوم الظّالمين ، واخشوني . وثانيتها : أنّ ملازمة هذا الحكم يسوق المسلمين إلى تمام النّعمة عليهم بكمال دينهم ، وسنبيّن معنى « تمام النّعمة » في الكلام على قوله تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي المائدة : 3 . وثايتها : رجاء الاهتداء إلى الصّراط المستقيم ، وقد مرّ معنى « الاهتداء » في الكلام على معنى قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . ( 1 : 328 ) 2 - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ . . . النّساء : 165 السّدّيّ : فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسولا . ( 220 ) الجبّائيّ : ذلك مخصوص بمن علم اللّه من حاله أنّ له في بعثة الأنبياء لطفا ، لأنّه إذا كان كذلك متى لم يبعث إليهم نبيّا يعرّفهم ما فيه لطفهم ، كان في ذلك أتمّ الحجّة عليه تعالى . ( الطّوسيّ 3 : 395 ) الطّبريّ : يقول : أرسلت رسلي إلى عبادي مبشّرين ومنذرين ، لئلّا يحتجّ من كفر بي ، وعبد الأنداد من دوني ، أو ضلّ عن سبيلي ، بأن يقول ، إن أردت عقابه : لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى طه : 134 ، فقطع حجّة كلّ مبطل ألحد في توحيده ، وخالف أمره بجميع معاني الحجج القاطعة عذره ، إعذارا منه بذلك إليهم ، لتكون للّه الحجّة البالغة عليهم ، وعلى جميع خلقه . ( 6 : 30 ) الطّوسيّ : [ حكى قول الجبّائيّ ثمّ قال : ] وذلك يفسد قول من قال : في مقدوره من اللّطف ما لو فعله بالكافر لآمن به ، لأنّه لو كان الأمر على ما قالوه ، لكانت لهم الحجّة بذلك على اللّه تعالى قائمة . فأمّا من لم يعلم من حاله أنّ له في إنفاذ الرّسل إليه لطفا ، فالحجّة قائمة عليه بالعقل ، وأدلّته على توحيده ، وصفاته